عبور الربع الخالي-يناير 2016

20 01 2016

صحراء الربع الخالي كانت ولا تزال أحد اهم مصادر الاثارة والتحدي للمستكشفين وعشاق التحدي لكثافة رمالها وعلو كثبانها ووعورة طرقها إضافة الى اتساع رقعتها وبعدها الصارخ عن حياة المدينة، ومع ذلك لا يزال هذا الجزء من شبه الجزيرة العربية يشكل مصدر الهام للكثير من عشاق هذا النوع من المغامرة.

لو لم يكن للمغامر الا القيادة في تلك المناطق الوعرة والتوغل في كثبانها طلوعا ونزولا لكفى، فكيف اذا صاحب تلك المغامرة استكشاف لإماكن ومعالم تثري الكم المعرفي للمغامر … حينها تصبح تلك المغامرة ذات بعد استكشافي تستحق ما يبذل في انجازها من جهد واستعداد ومخاطرة وهذا بالفعل ما قام به فريقنا في الفترة من 8 – 12 يناير 2016 حيث شاركت اثنتا عشر سيارة في مغامرة استكشافية وعبور لجزء كبير من صحراء الربع الخالي بدأت من محطة بنزين شبيطة في منطقة شيبه وانتهت في محطة بنزين غزالة جنوب حرض منجزة قرابة 1100 كم داخل الصحراء.

إضافة الى طابع المغامرة للرحلة وعبور الربع الخالي, الا انها كانت تهدف الى استكشاف والوصول الى التالي

SRFH-801 استكشاف قلمة

استكشاف قلمة اخرى

الوصول الى اعلى كثبان رملي في منطقة شيبه

الوصول الى قلمة بيض اللحي

استكشاف قلمة أم قرون

استكشاف قلمة طويلة الخطام

استكشاف موقع تحطم طائرة قديمة لأرامكو

 S-679 استكشاف قلمة

الوصول الى أم الحديد – موقع سقوط النيزك

 الوصول الى بئر فاضل في منطقة الشلفا

انطلق المشاركون على دفعات بعد ظهر الخميس 7 يناير بأتجاه شبيطة في منطقة شيبه ليكتمل تجمعهم في شبيطة للتزود بالوقود ثم التخييم في موقع محدد مسبقا

صباح الجمعة اول ايام الرحلة الفعلي انطلق المشاركون سالكين طريق الكدان الممهد ولمسافة 141 كم تقريبا ثم التوقف لتخفيف هواء الاطارات استعداد للسير فوق الرمال وبين الكثبان بأتجاه الهدف الاول قلمة اس ار اف اج-801 .اثناء توقف المشاركين لتخفيف هواء الاطارات كانت لنا فرصة الالتقاء بمجموعة من هوات صيد الذين كانوا متوقفين لتخفيف هواء اطارات سياراتهم استعدادا لرحلة صيد بأستخدام الصقور وكلاب الصيد حيث دار بيننا وبينهم بعض الحديث و التقطنا بعض الصور معهم.

بدأت المغامرة والتحدي بالقيادة فوق تلك الكثبان الرائعة ذات التشكيلات الهندسية الفاتنة والتي تتطلب الكثير من الحذر بسبب تداخلها وارتفاعها وانخفاضها الذي يكون مفاجئ احيانا. استمر الطريق الى القلمة  قرابة ساعتان وهذا الوقت ليس لأن القلمة بعيدة جدا ولكن وعورة الطريق والكثبان الرملية وما يواجهه المشاركون من مشاكل التعليق والتغريز وخصوصا عندما يكون عدد السيارات بهذا الكم.

وصلنا القلمة  الساعة 12:00 ظهرا وكانت جاريه وشديدة الحرارة وكبريتيه ومائها ويصب من خلال هوز في حوض ليسرع من تبخر الكبريت ليتم الاستفادة منه من قبل البدو. بعد التوقف لبعض الوقت واخذ الصور غادرنا بأتجاه القلمة الثانية التي لم تكن بعيدة وتبين انها قد اغلقت تماما ولا اثر لها على الاطلاق سوى بعض الازفلت الذي يغطي موقعها. واصلت المجموعة طريقها فوق الرمال بعد القلمة الثانية صعودا ونزولا حتى الساعة 4:30 بعد العصر ليتم التوقف للتخييم وانهاء اول يوم من المغامرة والاستكشاف.

التخييم ليلا في صحراء الربع الخالي والجلوس حول النار والنظر الى السماء والاستمتاع بمشاهدة النجوم يعتبر جزء مكمل للرحلة كما يعتبر الجائزة التي ينتظرها المشاركين بلهف بعد عناء القيادة طول النهار.

صباح اليوم الثاني من الرحلة (السبت)، انطلق المشاركون بعد وجبة الافطار الساعة 8:15 بأتجاه الهدف الاكثر اثارة في الرحلة وهو الوصول الى ما يعتقد انه ارفع كثبان رملي في الربع الخالي ثم القيادة الى قمته. كما ان الطريق المؤدي لهذا الكثبان الرملي لا يقل صعوبة واثارة اذ يتطلب القيادة فوق كثبان رملية شديدة الارتفاع ثم النزول منها اضافة الى القيادة عبر العديد من السباخ التي تربط بينهم، وهذا النوع من الكثبان يسمى العروق.

المسافة المقطوعة من صباح هذا اليوم حتى العصر وقت الوصول لأعلى كثبان رملي كانت 101 كم من الكثبان الرملية الاكثر صعوبة وتعقيدا وقد تخللتها الكثير من المعوقات والتعليق والتغريز ونخص بالذكر حادثة خروج اطار احد السيارات من الجنط والذي يعتبر حدث طبيعي بسبب انخفاض ضغط الاطارات وطبيعة الرمال وزاوية ميلان المنحدرات.

القيادة بالسيارة الى قمة الكثبان الرملي الاعلى في الربع الخالي لم تكن بالعملية السهلة، فقد تخللتها الكثير من الصعوبات بسبب تعرج الطريق ونعومة الرمال وشدة الانحدار وخطورتها. كما ان الحماس والثقة بالقدرة للوصول للقمة لم تكن موجودة لدى بعض المشاركين الجدد ومع ذلك تم التغلب عليها جميعا وتمكن الجميع من الصعود. في السنة الماضية كان النزول من هذا الكثبان الرملي الهائل من الجهة الاخرى ممكنا لكن هذه السنة وبفعل الرياح التي غيرت من معالم قمة الكثبان لم نتمكن من النزل الا من نفس طريق الصعود والذي كان اكثر خطورة بسبب الانحدارات المائلة وكان ذلك نهاية النهار حيث تم التخييم في موقع مناسب في منتصف طريق النزول من الكثبان.

يبلغ ارتفاع هذا الكثبان الرملي قرابة الـ 290 متر فوق سطح البحر ويمكن من فوق قمته رؤية الكثبان الرملية المرتفعة المحيطة به والسباخ في منظر بانورامي لا مثيل له يأسر الالباب.

صباح اليوم التالي (الاحد) وبعد وجبة الافطار غادرنا موقع التخييم من عند اعلى كثبان رملي بأتجاه قلمة بيض اللحي هدفنا التالي. جزء من الطريق لقلمة بيض اللحي كان مشابه للطريق الى اعلى كثبان رملي بسب ارتفاع الكثبان الرملية وتعقيدها وتعرجاتها اضافة الى المرور من خلال سباخ كثيرة مثيرة للغبار. استغرق الوصول الى قلمة بيض اللحي قرابة الساعتان ونصف والمسافة المقطوعة 82 كم. قلمة بيض اللحي تعتبر محطة هامة في الرحلة من حيث طبيعتها اذ يوجد بها ماء كبريتي حار جاري على مدار الساعة وتقع بين كثبان رملية جميلة وبها مسطح اخضر تحفه العديد من اشجار النخيل مما يشكل واحة صغيرة في وسط رمال الربع الخالي. وتكمن اهمية الوصول اليها لأعتبارها محطة استجمام للمشاركين من خلا اخذ حمام دافئ وسط الصحراء وتحت السماء.

غادرنا قلمة بيض اللحي بأتجاه قلمة أم قرون التي تبعد قرابة 44 كم وعند الوصول اليها الساعة 4:00 عصرا تبين انها مشابة لقلمة بيض اللحي من حيث جريان مائها وحرارته وكمية الكبريت فيه، الا انه لا يوجد بها اشجار نخيل او غطاء نباتي كثيف. بعد قضاء بعض الوقت والتصوير عند القلمة غادرنا بأتجاه الهدف الاخر وهو قلمة طويلة الخطام

قبل مغيب شمس هذا اليوم وقبل الوصول الى قلمة طويلة الخطام ، توقف الفريق للتخييم منهين يوم حافل من المغامرة والاستجمام في ربوع صحراء الربع الخالي.

صباح هذا اليوم (الاثنين) واصل الفريق المسير بأتجاه قلمة اس-686 (طويلة الخطام) التي تبعد 73 كم من قلمة ام قرون. هذه القلمة يوجد بها ماء كبريتي حار جاري ويصب في حوض كما هو الحال في قلمة بيض اللحي وأم قرون. بعد توقف وتصوير انطلق الفريق نحو الهدف التالي وهو موقع تحطم احد طائرات ارامكو عام 1960. هذا الموقع سبق ان زرناه في السابق … راجع المقال

وصل الفريق لموقع تحطم الطائرة الساعة 12:15 ظهرا وكان مفاجئا لنا بروز اجزاء اكثر من الطائرة مقارنة بالزيارة السابقة وهذا بالطبع بفعل الرياح التي قد تبرز اجزاء او تطمرها. كما ابلى المشاركون بلاء حسنا في ابراز اجزاء اكثر من الطائرة بأزاحة كمية كبيرة من الرمل. بعد اخذ الصورة التذكارية الجماعية للمشاركين والسيارات، غادر الفريق موقع التحطم بأتجاه الهدف التالي وهو قلمة اس-696 التي وصلناها الساعة الرابعة بعد العصر. قلمة اس-696 كانت مغلقة ولا اثر لها سوى بعض المواسير المتناثره في المكان. بعد مغادرة موقع القلمة بـ 45 دقيقة توقفنا للتخيم ولحسن الحظ كانت الاجواء غائمة جزئيا ولكن باردة مما اتاح الفرصة لتساقط الامطار الخفيفة تلك الليلة

صباح اليوم الاخير من الرحلة (الثلاثاء) كان لنا موعد مع الهدفين الاخيرين في الرحلة وهما موقعان سبق ان زرناهم سابقا. الاول موقع أم الحديد وهو موقع سقوط نيزك والهدف التالي بئر فاضل. توقف الفريق عند هذان الموقعان لبعض الوقت وخصوصا موقع ام الحديد لجمع ما يتوفر من قطع النيزك والتصوير. طريق العودة بأتجاه الشلفا عند محطة غزالة هو كل ما تبقى من هذه المغامرة الشيقة للفريق حيث بدأ الساعة 2:30 بعد الظهر والوصول لمحطة غزالة الساعة 4:20 بعد العصر والمسافة المقطوعة 142 كم من السفوح الرملية التي تتخللها القليل من الكثبان الرملية المتوسطة الارتفاع.

ما يميز هذا النوع من الاستكشاف والمغامرة لعبور صحراء الربع الخالي وخصوصا عندما تبدأ من الشمال في شيبه الى الجنوب في منطقة الشلفا انها تعطي المشارك افضل فرصة لمشاهدة تنوع الكثبان الرملية من الناحية التشكيلية والالوان. ففي منطقة شيبه تكثر بها العروق الرملية شديدة الارتفاع والاحمرار، لكن كلما اتجهنا للجنوب فتشكيلة الرمال تصبح اقل ارتفاعا لكن يوجد بها الكثير من الجيوب والوديان الرملية كما تقل درجة احمرارها لتصل للون الاصفر المعتاد بمجرد الاقتراب من منطقة الشلفا

إن اتساع رقعة صحراء الربع الخالي تجعل منها مصدر لاينضب للمغامرة والاستكشاف لمن لديه روح التحدي والصبر





عبور الربع الخالي 17 يناير 2013

22 01 2013

من أسرار الربع الخالي قدرتة الاستثنائية في نقش جاذبيته في عقول المتيمين بالرحلات الاستكشافية، فما أن تغيب شمس رحلة حتى يبزغ فجر أخرى لسبر أغواره و كشف المزيد من أسراره.

سحر الربع الخالي و جاذبيته تمكنا و بنجاح فائق من ثلة من محبي الرحلات البرية و الاسكشاف بالقيام بمغامرة عبوره من شماله الشرقي في منطقة شيبة الى جنوبه الغربي ثم الاتجاه مرة أخرى للشمال الغربي منهين الرحلة في منطقة غزالة قاطعين مسافة 862 كم من السهول و الكثبان الرمليه في ثلاثة أيام فقط. إنها بالفعل مغامرة بكل ما للكلمة من معنى لوعورة تلك المناطق و بعدها الشاسع عن الحضارة و مصادر المساعدة في حال الطوارئ لا سمح الله.

انطلقت المجموعة المكونة من ست سيارات و عدد افرادها احدى عشر فردا بعد نهاية دوام يوم الاربعاء 17 يناير 2013 على أن تكون نقطة التقائهم في محطة بنزين شبيطة في منطقة شيبه و المبيت ليلة الخميس عند احد الكثبان الرملية. محطة بنزين شبيطة هي آخر محطة يمكن الحصول فيها على بنزين  وهي محطة بدائية و تقع على طريق شيبة المؤدي الى مجمع ارامكو الذي يبعد عنها قرابة الـ 90 كم و شبيطة بدورها تبعد عن الاحساء قرابة 550 كم من الطريق المعبد.

من اهم الاجرائات التي تتبع في الرحلات البرية و خصوصا في منطقة الربع الخالي و التي يقع اغلبها على عاتق قائد الرحلة هو اعداد خطة تفصيلة للرحلة تبين احداثيات المناطق المراد الوصول اليها و مسار الرحلة و المسافات لتلك المناطق و عدد الايام و كمية البنزين الكافية للوصول و العودة. أما فيما يتعلق بإحتياطات السيارات و الاكل و الشرب فتلك مسئولية مشتركة و ذات أهمية قصوى لأنجاح الرحلة.

لقد حدد لهذه الرحلة ثلاث أهداف أو مناطق للوصول اليها و التي تتطلب ما لا يقل عن 300 لتر بنزين لكل سيارة. الهدف الاول قلمة الفوارة وهي عبارة عن بئر ماء تستخدم من قبل البدو و تبعد عن شبيطة 198 كم. الهدف الثاني موقع تحطم احد طائرات ارامكو بتاريخ 30 ديسمبر 1959 على أمل رؤيتها لأن آخر صور لها عام 2001 توضح بأن أغلبها طمرتها الرمال و يبعد الموقع قرابة 139 كم جنوب غرب قلمة الفوارة. الهدف الثالث منطقة أم الحديد التي سبق زرناها و هي موقع سقوط نيزك و تبعد 189 كم شمال غرب موقع سقوط الطائرة.

فيما يلي صورة توضح مسار رحلة العبور

RubAlKhali-Crossing-Route

بعد إكتمال المجموعة صبيحة الخميس أول أيام الرحلة و التزود بالبنزين في محطة شبيطة إنطلقت بأتجاه قلمة الفوارة سالكين طريق الكدان الممهد بين كثبان رملية شامخة في علوها و زاهية في حمرتها و لمسافة 134 كم عندها توقفت المجموعة لتخفيف هواء الاطارات إستعداداً للمغامرة الجادة بالقيادة فوق تلك الكثبان. الكثبان الرمليه في منطقة شيبه تتصف بنعومتها و تشكيلاتها المتراكبه و المتداخلة مع بعضها و أغلب قممها تأخذ الشكل الكروي كما تنتهي معظم إنحداراتها بسبخات. القيادة في رمال شيبه بقدر ما هي ممتعة تتطلب الكثير من الحيطة و الحذر ليس لتجنب العلوق في الرباضات التي لم يوفق البعض في تجنبها بل لتجنب السقوط أو الانقلاب في الانحدارات المفاجئة.

وصلت المجموعة قلمة الفوارة الساعة 2:35 بعد ظهر الخميس و كانت المفاجأة أنه لم يبق منها  الا بعض الاعشاب الجافة و الارض الطينية اللزجة إذ يبدو ان انبوبة البئر قد ازيلة و بئر الماء قد ردمت لسبب ما. بعد قضاء وقت قصير و اخذ بعض الصور التذكارية واصلت المجموعة طريقها بإتجاه الهدف الثاني و هو موقع سقوط الطائرة الذي يبعد 139 كم بإتجاه الجنوب الغربي. إستمر الطريق للهدف الثاني حتى شارف نهار الخميس على نهايته دون أي معوقات أو مشاكل حينها قررت المجموعة التخييم.

أمضت المجموعة ليلة جمعة هادئة و متوسطة البرودة بين جنبات تلك الكثبان الرملية الرائعة في هندستها و الساحرة بجمالها و مستمتعة بصفاء سماء الصحراء المكتضة بما أبدع الخالق سبحانه من نجوم و كواكب.

بعد تناول الافطار صباح الجمعة ثاني أيام الرحلة تابعت المجموعة و بكل نشاط و تحدٍ مغامرة الوصول لثاني أهداف الرحلة الذي يبعد 139 كم بإتجاه الجنوب الغربي و لكن لهذا اليوم طعم آخر على جميع الاصعدة. فعلى صعيد طبيعة الرمال تبين لنا أن كل جزء من الربع الخالي يحمل بصماته الخاصة من ناحية لون و نعمومة الرمال و تشكيلات الكثبان و نوع النباتات الصحراوية على شحتها. فكلما إتجهنا للجنوب الغربي بإتجاه الهدف أخذ لون حمرة الرمال يقل تدريجيا حتى فقد أكثر من 80% من حمرته عند موقع الطائرة المحطمة مقارنة بلونه في منطقة شيبه. كما أن شكل الكثبان الرملية أصبحت مترابطة على شكل عروق متوازية جميلة الشكل و تفصلها عن بعضها سهول رملية ناعمة تتخللها المنحدرات المتوسطة و الرباضات. تلك العروق الرملية تزداد طولا و أرتفاعا كلما أتجهنا جنوب غرب  حتى حدود اليمن إذ يصل طولها لمئات الكيلومترات و تتميز بنعومة رملها.

أما على صعيد الاحداث فهذا اليوم كان حافلا بالإثارة فقد فرضت طبيعة الرمال و تشكيلاتها على المشهد. فعلى الرغم أن اغلب الطريق المؤدي لموقع الطائرة كان فوق السهول الرملية و بين العروق لكن بين وقت لآخر يعترض طريقنا عرق مما يضطرنا للسير فوقه للأنتقال الى السهل الرملي الآخر و تلك هي المشكلة لأن العروق عبارة عن كثبان رملية مرتفعة و متداخلة و مترابطة بطريقة معقدة جدا و رمالها ناعمة للغاية و غير مستوية و تكثر بها المنخفضات. لم نضطر لقطع أحد العروق الا و تعلق سيارة أو سيارتين لكن أحد العروق دخل موسوعة جنس ليس فقط  في عدد السيارات التي تسبب بعلوقها و البالغ أربعة  سيارات بل في خراب إحداها.

سيناريو الاحداث أبتدأ عندما تطوع أحد المشاركين في قيادة المجموعة للبحث عن طريق لقطع العرق فأوقع نفسه في رباضة على شكل حوض و قبل أن يعلق تبعته سياراتان ليتبين لهما بأنهما وقعا في مصيدة لا سبيل للخروج منها الا أن يعودا ادراجهما لكن عن طريق النزول من أعلى العرق و الذي يتطلب مناورة مستميته لتجنب العلوق. قبل المحاولة طلبا من البقية بعدم اللحاق بهما لكي لا تصبح تلك الرباضة مجزرة لجميع السيارات خصوصا أن مساحتها لا تكفي لوجودهم. السياراتان الواصلتان حديثا لتلك المصيدة تمكنا من الخروج منها و النزول من أعلى العرق و أكملا طريقهما للسهل الرملي الآخر من خلال منفذ أسهل فوق العرق لكن المتطوع الذي ارشد لتلك المصيدة هو من علقت سيارته فوق قمة العرق في محاولته النزول و عندها بدأ  الاكشن. لم تفلح محاولات إزاحة الرمال من تحت السيارة لأن العجلات الامامية و الخلفية لا تكاد تلامس الرمل، مما يعني أن السيارة جالسة على الشاصي. قائد الرحلة حاول سحب السيارة فغرزت سيارته في الرمل و في هذه الاثناء حاولت إحدى السيارات التي انتقلت للسهل الأخر الرجوع للمساعدة فعلقت سيارته و لم يتمكن من الخروج الا بصعوبةٍ بالغه فتمكن من الذهاب لمساعدة قائد الرحلة فعلق مرة أخرى كما أن السيارة الرابعة التي فيها ونش السحب  كان يصارع للمساعدة دون جدوى و بعد جهد مضني تمكنوا من إنزال السيارة العالقة على رأس العرق لكن تسبب ذلك في خراب سيارة قائد الرحلة إذ إنقطع سلك الهاند بريك والتف حول الدفرنش مما تسبب في سحب البريك في العجلة الخلفية اليسرى و منعها من الدوران. أمضت المجموعة ما لا يقل عن ثلاث ساعات في إخراج السيارات العالقة و إصلاح المعطوبه وعلى الرغم من العناء و التعب الذي واجهته المجموعه لكنه يضل ضمن الامور المتوقعة التي هيأت المجموعة نفسها لمواجهتها.

حينها تم تقييم ما تبقى من وقت الرحله فإتفقت المجموعه على إكمال برنامج الرحلة لكن بخطى حثيثه وعدم التوقف طويلاً عند بقية الاهداف للتعويض عن الوقت المهدور. حينها تابعت المجموعه سيرها بإتجاه موقع تحطم الطائره و وصلت عصر يوم الجمعة الساعة 4:45 وكانت المفاجأه عنما اكتشفت المجموعة أن الطائره قد طمرتها الرمال بالكامل و لم يتبق منها إلا قرابة الثلاثين سنتيمتر من أعلا جزء فيها وهو الدفه الخلفية. ولكي تؤخذ صور تذكارية للموقع قام بعض اعضاء الرحلة بأزاحة كمية لا بأس بها من الرمال حول الجزء الظاهر من الطائره ليصبح اكثر وضوحاً في الصور. لحسن الحظ وبعد الرجوع من الرحله تمكن أحد اعضأ المجموعه من الحصول على صوره من جريدة ارامكو الصادره باللغة الإنجليزيه التي ذكر فيها خبر تحطم الطائرة في ذلك التاريخ و مفاده أن “ثلاثة من موظفي ارامكو من الجنسية الامريكيه لقوا حتفهم يوم الاربعاء 30 ديسمبر 1959  في تحطم طائره من نوع بيفر في جنوب الربع الخالي أثناء الهبوط في منطقة نائيه بالقرب من أحد الحفارات الإستكشافيه. القتلى هم قائد الطائره وإثنان من مهندسي الحفر.”

كما تمكن فرد آخر من أعضاء الرحله من الحصول على صورة قديمه لطائرتان من نفس الطراز وهم في أحد مناطق الربع الخالي وبهذه الصورة ونص الخبر يرتسم مشهد كامل عن تحطم تلك الطائره و ما تخفيه الرمال.

بعد أخذ الصور التذكاريه في موقع تحطم الطائرة و قبل مغيب الشمس بعشرين دقيقة إنطلقت المجموعه بإتجاه الهدف الأخير وهو موقع سقوط النيزك في أم الحديد و الذي يبعد قرابة 189 كم شمال غرب سقود الطائره مع الأخذ بالإعتبار البحث عن موقع تخييم ليلة السبت قبل حلول الظلام.

صباح السبت ثالث أيام الرحلة إنطلقت المجموعه بإتجاه أم الحديد في طريق يغلب عليه السفوح الرمليه ويوجد به الكثير من التلال والمنخفضات الرمليه بحيث أصبح السير في تلك المناطق أشبه ما يكون بالتزحلق على الجليد. تكاد تنعدم في تلك المناطق الكثبان الرمليةِ العاليه لتغير إتجاه السير من الجنوب الغربي حتى وصولنا لموقع تحطم الطائره الى الشمال الغربي بأتجاه أم الحديد و الفضل يعود بعد الله لتأثير إتجاه الرياح في تشكيل الرمال. سارت الأمور على أحسن حال حتى وصول المجموعة لأم الحديد دون أي معوقات على الرغم أن السرعه كانت فوق المعدل في مثل تلك المناطق إذ وصلت المجموعه في زمن قصير نسبياً بلغ خمس ساعات لقطع 189 كم.

في موقع سقوط النيزك قام قائد الرحله بشرح مبسط لطبيعة الصخور والرمال المنصهره جراء إرتطام النيزك. بعدها إنطلق أعضاء الرحله سيراً على الأقدام لإستكشاف موقع السقوط و تجربة حظهم في الحصول على قطعه ولو صغيره من النيزك قد تخفيها الرمال لصاحب الحظ السعيد.

بعد قضاء ما يقارب الساعتين تخللها وقت الغداء والصلاه غادرت المجموعه منطقة أم الحديد الساعه 2:30 بعد الظهر بإتجاه محطة غزاله. المسافه من موقع سقوط النيزك الى محطة غزاله قد يصل إلى 250 كم براً ما يعني الحاجه إلى ما لا يقل عن 7 ساعات من القيادة المتواصله في الرمال لكن هذا العدد من الساعات لن يتوفر إذ سوف يحل الظلام قبل الوصول مما يعني ضرورة التوقف. ولهذا تم تعديل مسار خط الرجعه بحيث يلتقي بطريق ممهد قادم من غزاله ويمتد لقرابة 150 كم براً. ومن لطف الله أن تم الوصول إلى ذلك الطريق الممهد بعد قيادة 73 كم من أم الحديد عند الساعة 4:20 عصراً وحينها تم نفخ إطارات السيارات ثم الإنطلاق بإتجاه محطة غزاله التي وصلنا إليها عند الساعة 7:00 مساءً إذ كان بالإمكان السير على الطريق الممهد بسرعة تصل الى 120 كم/س وبهذا تنتهي أحداث مغامرة عبور جزئي للربع الخالي كان للتحدي والإصرار والاستكشاف والعزيمه و الجرأه والصبر والتعاون وتعظيم الخالق سبحانه النصيب الأكبر في إنجازها بسلام.







الشلفا/الربع الخالي 5-7- ديسمبر-2012

9 12 2012

الحديث عن الربع الخالي رحب برحابة الفضاء الذي يشغلها و غني بغنى ارضه الممتدة في عمر الزمن و لا يكاد يتكشف للعيان سر من اسراره حتى يضيئ في سماء المعرفة و الاسكشاف سر آخر. الكثير من الدراسات تطرقت الى حقيقة الربع الخالي و ما كان عليه قبل عشرات الآلاف من السنين حيث ذكرت أنه يحوي الكثير من البحيرات و أن الانسان في العصور الحجرية كان له موطئ قدم حولها و يعتاش على صيد ما تحتويه ويرد اليها من حيوانات و طرائد.

لكن مهما قيل أو كتب بخصوص حقيقة الربع الخالي لا يمكن بأي حال من الاحوال أن يقارن بالمشاهدة العينية لتلك الحقية الدامغة حتى بعد جفاف و إندثار تلك البحيرات من زمن سحيق. الطبيعة الرسوبية لبعض المناطق و وجود القواقع و الاصداف كلها حقائق لا تقبل الشك بأن تلك المناطق كانت بحيرات قبل آلاف السنين. كما أن وجود الكثير من رؤوس الاسهم و الرماح المنحوتة بحرفية عالية من حجر الصوان الصلب و المتناثرة بكثرة  في تلك البحيرات الجافة تدلل ايضا على أن الانسان في تلك العصور الحجرية كان له تواجد في منطقة الربع الخالي الذي لم يكن خالي في تلك الحقبة من الزمن.

أن تلك الدلائل و البراهين و المعاينة العينية لأسرار الربع الخالي لم تكن لتتم لولا وجود ثلة من المهتمين و محبي الاستكشاف على الرغم من العناء و المخاطرة المترتبة على ذلك. ففي عطلة نهاية الاسبوع المصادف لـ 5 – 7 ديسمبر 2012 كانت لنا مشاركة في رحلة إستكشافية في احضان الربع الخالي مع مجموعة من هواة النزهة و الاستكشاف.الهدف من الرحلة كان لأماطة اللثام عن بعض الكنوز التاريخية و الجغرافية لمنطقة أخرى في الربع الخالي المتمثلة في تلك البحيرات التي كانت تغطي أجزاء منه و البحث عن ما يستدل به لأثبات تواجد الانسان في العصر الحجري المتمثلة بأدوات الصيد كرؤوس الرماح و الاسهم. الرحلة السابقة كانت في مارس 2009 في منطقة تبعد قرابة 70 كم شمال غرب الشلفا.

إثنتا عشر سيارة شاركت في هذه الرحلة  و انطلقت على دفعات ظهر يوم الاربعاء 5 ديسمبر 2012 ليلتقوا في نقطة محددة مسبقا من قبل قائد الرحلة و هي موقع تخييم ليلة الخميس و التي بالمناسبة كانت ضمن قائمة البحيرات المحتملة التي أعدها قائد الرحلة بأستخدام برنامج جوجل ارث إضافة إلى خط سير الرحلة داخل الصحراء.

جميع المواقع التي تم زيارتها تطلب الوصول اليها السير لمسافة 150 كم على طريق ممهد يبدأ من محطة بنزين غزالة و الذي تستخدمه شركات النفط و الغاز في تلك المناطق.  لم يستغرق الوصول الى منطقة التخييم الاولى أكثر من ساعة و نصف من محطة غزالة و لمسافة 148 كم.

الكثبان الرملية في منطقة البحث تعتبر متوسطة الارتفاع  و اغلبها غير متصلة ببعض بحيث يوجد بينها الكثير من الممرات و السفوح الرملية المنبسطة. كما تكسوها صخور الحصباء ذات الاحجام و الالوان المتعددة التي تتواجد عادة في قيعان و مجاري الانهار و هذا دليل آخر على ان تلك المنطقة كانت في عصور سابقة مجرى للسيول.

البرنامج اليومي للرحلة يبدأ بعد تناول الافطار حيث تنتقل المجموعة من موقع الى آخر و عند كل موقع يحتمل أن يكون بحيرة يترجل المشاركون من سياراتهم لمعاينته و البحث عن دلائل تؤكد كونه بحيرة. من تلك الدلائل نوع التربه و وجود بعض القشريات و القواقع و الاصداف. بعد ان تتحقق تلك العلامات ينتقل المشاركون للمرحلة الثانية و هو البحث عن اثر لوجود صخور الصوان المستخدم في صناعة الحراب و رؤوس الاسهم و ما أن يتحققوا من ذلك حتى ينتقلوا للمرحة الثالثة و الاهم وهو البحث عن الحراب و رؤوس الاسهم من أجل تصويرها و توثيقها في مواقعها. دقة الملاحظة من الامور التي تساعد الباحث في سرعة رؤية الحراب و الاسهم لأن قاع البحيرة يكسوه الكثير من صخور الحصباء و صخور اخرى تجعل من إيجاد تلك الحراب و رؤوس الاسهم بالأمر الصعب.

الكل كان له فرصة تصوير و توثيق بعض الحراب و رؤوس الاسهم و لكن بدرجات متفاوته من ناحية العدد و النوع، لكن الاهم من ذلك هو الوقت الممتع و المفيد الذي امضاه المشاركون في تلك الاجواء البرية الرائعة خصوصا عندما يجن الليل حين يجتمعوا حول فاكهة الشتاء ( شعلة من النار) لتجاذب اطراف الحديث في شتى المواضيع تحت سماء صافية تتلألاء في كبدها نجوم كأنها ترى أول مرة لشدة نصوعها و تتجلى قدرة الخالق سبحانه في إشراقها.

من الأمور المثيرة في هذه الرحلة مرورنا غير المقصود بموقع بئر فاضل الذي  كنت أسمع بوجوده في الربع الخالي و أحتفظ بأحداثيته منذ زمن و أتوق للوصل اليه يوم ما. من عادات البدو في الصحراء أن ينسبوا آبار الماء الى اصحابها او من حفروها و بئر فاضل احد تلك الآبار و ينسب الى “الشيخ جابر بن على الفاضل” كما هو مكتوب على فوهة البئر الخرسانية.

على الرغم من علمي بمرور خط سير الرحلة بالقرب من البئر بعد تحميل المسار على جهاز الجي بي اس، لكن لم اتوقع بأن يقع البئر في خط سيرنا ربما بسبب الطبيعة الاستكشافية للرحلة و عدم اعتماد خط السير فقط.

البئر عميق جدا و له فوهة كبيرة يتراوح قطرها المترين الى ثلاثة أمتار و مرتفع عن سطح الارض و مبني من الخرسانة المسلحة. كما يوجد حول البئر عدة احواض  قد تكون لتبريد الماء و التخلص من الكبريت المذاب كما هي طبيعة مياه الربع الخالي. كانت فرصة للمشاركين لمعاينة البئر و أخذ الصور التذكارية.

في ختام الرحلة الساعة الثانية ظهرا من يوم الجمعة سلكت المجموعة طريق الرجعة بأتجاه الغرب للوصول الى اقرب نقطة على الطريق الممهد بأتجاه محطة غزالة مع الاخذ بالاعتبار التوقف في المواقع المحتملة بأن تكون بحيرات. الطريق كان سالكا و ممتعا في القيادة لكونه يمر بين الكثبان و المسطحات الرملية الممطورة و لم تمضي ساعة حتى وصلت المجموعة للطريق الممهد  لتبدأ طريق العودة.

إجمالا الرحلة كانت موفقة على جميع الاصعدة فالامطار على منطقة الشلفا جعلت من السفوح و الكثبان الرملية متراصة و متماسكة بحيث لم يضطر المشاركين لتخفيف هواء الإطارات و لا حتى إستعمال الدفع الرباعي. كما أن المشاركين إستمتعوا بأجواء معتدلة و بعض الغيوم الخفيفة مع اعتدال سرعة الرياح، لكن يبقى الكم المعرفي و الإنجاز الإستكشافي أهم إنجازات هذه الرحلة.







قائمة بجميع الرحلات