اجتياز الربع الخالي-فبراير 2019

25 02 2019

ان اتساع رقعة صحراء الربع الخالي البالغة قرابة 650 الف كم مربع تفرض
على مرتاديها من المغامرين والمستكشفين تحديد الجزء المراد الوصول اليه من تلك
الصحراء الهائلة اضافة الى التخطيط السليم وا لاستعداد التام لأنجاز تلك المهمة
بصورة آمنة. فمساحة بهذا الحجم وطبيعة بتلك الوعورة لا يمكن لاي فريق مهما بلغت استعدادته
ان يغطيها في رحلة واحدة

احد اهم الاسباب التي تجعل تغطية تلك الصحراء مستحيلة في رحلة واحدة
هو توفير الوقود اللازم للسيارات المشاركة فضلا عن الماء والغذاء للمشاركين.
فالسير في الصحراء فوق وبين الكثبان الرملية واجتياز الكثير من العقبات كالرباضات
والكثبان العالية يضاعف استهلاك الوقود لسيارات الدفع الرباعي ويزيد العبئ على كل
جزء في السيارة ويرفع من احتامالية تعطله

وخير مثال على هذا النوع من الرحلات والتخطيط ما قام به فريقنا في
الفترة من 14 – 20 فبرياير 2019. فقد قام فريقنا المكون من 7 سيارات برحلة هي
الاطول في تاريخ رحلاتنا للربع الخالي حتى هذا التاريخ من ناحية المسافة المقطوعة
برا وعدد الايام. لقد تم تخطيط الرحلة لتدوم 7 ايام لإجتياز صحراء الربع الخالي من
اقصى شماله الشرقي حتى جنوبها الغربي اي الدخول للربع الخالي من منطقة شيبه ثم
الخروج منه في منطقة نجران وقطع مسافة تقارب 1300 كم برا

لإنجاز رحلة بهذه المدة وهذه المسافة في صحراء الربع الخالي فقد تطلب
اولا تحديد الهدف من الرحلة والذي بدوره يحدد مسار الرحلة  وعلى اثره تتحدد المسافة المراد قطعها

كان الهدف الرئيسي لرحلة الفريق هو البحث عن آثار ومواطن الانسان
القديم الذي استوطن اجزاء من صحراء الربع الخالي في الفترتين البالولثك و
النيولثك. البالولثك هي فترة العصر الحجري ما قبل التاريخ الانساني التي تميزت بتطوير
اصل الادوات الحجرية مثل رؤوس اسهم الصيد والفأس الحجري، وتلك الفترة كانت قبل عدة
ملايين من السنين. اما فترة النيولثك فهي فترة العصر الحجري الجديد التي بدأت قبل
12000 سنة

الهدف الاخر للرحلة هو استكشاف مناطق جديدة لصحراء الربع الخالي
للوقوف على معالمها وتشكيلات كثبانها الرملية والغطاء النباتي إن وجد لتلك الصحراء
الهائلة

بعد تحديد الاهداف الرئيسية للرحلة و الاطلاع على بعض الخرائط وتدوين
المواقع المراد الوصول اليها تحدد مسار الرحلة الذي يمتد لمسافة تقارب 1300 كم
برا، وهذا يتطلب من كل سيارة ان تحمل مالا يقل عن 400 الى 500 لتر بنزين اضافة
بالطبع الى ماتحتاجه من قطع احتياطية وما يحتاجه المشاركون من ماء وطعام لأتمام
المهمة بيسر وسلام

مسار الرحلة يبدأ من شبيطة في منطقة شيبة وينتهي في منطقة نجران على
الطريق المؤدي الى شارورة في اتجاه اغلبه جنوب غرب على ان يتم انجاز مالايقل عن
200 كم يوميا بما في ذلك التوقف عند المواقع المراد الوصول اليها او اي موقع مميز

انطلق الفريق صباح الرابع عشر من فبرياير من موقع التخييم قرب محطة
شبيطة سالكا ردمية الكدان المتجه جنوبا ولمسافة 150 كم ثم الانعطاف للجنوب الغربي
من خلال الكثبان الرملية ذات التسكيلات الرائعة والالوان الجميلة. من اهم المواقع
التي توقف عندها الفريق هو قلمة عسيكره التي تتميز بوجود حوض كبير لتجميع المياه
لتبريدها والتخلص من الكبريت المذاب ليتمكن البدو من استخدامها. كان ذلك الحوض
الذي بدى وكأنه بركة مليئة بالمياه محفزا لبعض اعضاء الفريق للاستحمام وقضاء وقت
ممتع بعد عناء القيادة. انهى الفريق يومه الاول بعد مغادرة قلمة عسيكره بعدة
كيلومترات و التخييم بين الكثبان الرملية في اجواء معتدلة البرودة

اليوم الثاني كان ممتعا لناحية القيادة لأن المسار كان اغلبه محاذيا
للكثبان الرملية واغلب القيادة كانت وسط وديان من الرمال التي تكثر بها النباتات
البرية والاعواد المتكسرة التي تتطلب الكثير من الحذر للحفاظ على سلامة الاطارات. كان
ملاحظا من اليوم الثاني للرحلة تغير لون الرمال وميلها للون الاصفر، كما ان الكثبان
الرملية بدى شكلها يأخذ الشكل الطولي او ما يعرف بالعروق

خلال متابعة الفريق لمساره لهذا اليوم تفاجئ بوجود ردمية آتية من
الشمال بأتجاه الجنوب وعند سؤال بعض الاعضاء بخصوصها تبين انها تؤدي الى الخرخير
جنوبا. كما ان مسار الرحلة يمر عند قلمة جلاب التي وجدنها اطلال ولم يتبقى منها
الا مبنى اسمنتي متكسر

خلال اليوم الثالث اخذ لون الرمال يبتعد كثيرا عن ما كان عليه في
منطقة شيبه ويميل الى اللون الاصفر مع وجود الكثير من الرباضات التي تعتبر مصائد
للسيارات لنعومة رمالها. كما ان مسار هذا اليوم مر عبر العديد من ما يعتقد انه
بحيرات قديمة مما بعث روح الامل لدى اعضاء الفريق للبحث عن آثار الانسان القديم. اجواء
هذا اليوم بدت اسخن من سابقها بسبب الرياح الجنوبية والمثيره للسافي على الرغم من
تشكل بعض الغيوم في فترة الصباح

استيقض الفريق صباح اليوم الرابع على رياح وعواصف رملية شمالية متوسطة
الى شديدة غطت خيم واغراض الاعضاء كما انها تسببت في ميلان السيارات بسبب الحفر التي
نتجت تحت عجلاتها. استمر هبوب الرياح الشمالية بل واشتدادها طيلة هذا اليوم لكن ما
خفف وطئة ذلك العناء هو مشاهدة الكثير من البحيرات القديمة الجافة مما اتاح للجميع
فرصة جمع بعض رؤوس الاسهم التي كان يستعملها انسان العصر الحجري للصيد في تلك
البحيرات قبل آلاف السنين ان لم يكن ملايين السنين، كما استطاع البعض من جمع
العديد من الفؤوس الصخرية التي كانت متناثرة على ضفاف تلك البحيرات

تشكيلات الكثبان الرملية خلال مسار اليوم الرابع اصبح لونها اصفر
واخذت شكل العروق المهيبة في ضخامتها و الممتدة طوليا من الشمال الى الجنوب ويفصل
العرق عن الآخر وادي رملي فسيح يتخلله بعض البحيرات القديمة الجافة. ولكون مسار
الفريق يتجه للجنوب الغربي، فحتمية اجتياز تلك العروق من وقت لآخر ضرورية على
الرغم من صعوبة ذلك لشدة تعقيدها

اليوم الخامس للرحلة كان من اهم ايام الرحلة اذ اكتشف الفريق المزيد
والمزيد من البحيرات القديمة الجافة قرب منطقة المندفن حيث استطاع جميع اعضاء
الفريق من جمع عدد لابأس به من رؤوس الاسهم والحراب ما يثبت وبشكل جلي ان تلك
المناطق كانت مستوطنا وملاذا لانسان العصر الحجري لاصطياد الطرائد التي ترد
للبحيرات او تعيش فيها

من ضمن الاكتشافات لليوم الخامس كان مشاهدة بعض النقوش لكتابات وصور
حيوانات في احد التشكيلات الصخريه لاحد الهضاب. كما شاهد الفريق العديد من اجزاء
الشجر المتحجر ما يدلل على وجود بعض الغابات في منطقة المندفن في الجنوب الغربي
للربع الخالي

انهى الفريق مساره المحدد  في اليوم
السادس للرحلة بعد التوقف عند المزيد من البحيرات الجافة التي كانت لاتبعد كثيرا
عن الطريق المعبد الواصل بين السليل وشرورة. كان واضحا ان تلك البحيرات قد اكتشفت
من قبل آخرين لسهولة الوصول اليها من الطريق العام، لذلك لم نجد الا القليل جدا من
رؤوس الاسهم

اليوم السابع كان طريق العودة للشرقية من منطقة المندفن او المثلث،
لكن للاسف كان يوم عاصف وبارد جدا مع وجود غبار كثيف اغلب الطريق

لاشك ان مغامرة اجتياز الربع الخالي هذه تطلبت الكثير من التخطيط
والتجهيز والاستعداد وصاحبها الكثير من الجهد والتعب والعناء، لكن ماتم الحصول
عليه من المعرفة والاستكشاف لم يكن ليحصل لولا ذلك العناء






قائمة بجميع الرحلات