الشلفا/الربع الخالي 5-7- ديسمبر-2012

9 12 2012

الحديث عن الربع الخالي رحب برحابة الفضاء الذي يشغلها و غني بغنى ارضه الممتدة في عمر الزمن و لا يكاد يتكشف للعيان سر من اسراره حتى يضيئ في سماء المعرفة و الاسكشاف سر آخر. الكثير من الدراسات تطرقت الى حقيقة الربع الخالي و ما كان عليه قبل عشرات الآلاف من السنين حيث ذكرت أنه يحوي الكثير من البحيرات و أن الانسان في العصور الحجرية كان له موطئ قدم حولها و يعتاش على صيد ما تحتويه ويرد اليها من حيوانات و طرائد.

لكن مهما قيل أو كتب بخصوص حقيقة الربع الخالي لا يمكن بأي حال من الاحوال أن يقارن بالمشاهدة العينية لتلك الحقية الدامغة حتى بعد جفاف و إندثار تلك البحيرات من زمن سحيق. الطبيعة الرسوبية لبعض المناطق و وجود القواقع و الاصداف كلها حقائق لا تقبل الشك بأن تلك المناطق كانت بحيرات قبل آلاف السنين. كما أن وجود الكثير من رؤوس الاسهم و الرماح المنحوتة بحرفية عالية من حجر الصوان الصلب و المتناثرة بكثرة  في تلك البحيرات الجافة تدلل ايضا على أن الانسان في تلك العصور الحجرية كان له تواجد في منطقة الربع الخالي الذي لم يكن خالي في تلك الحقبة من الزمن.

أن تلك الدلائل و البراهين و المعاينة العينية لأسرار الربع الخالي لم تكن لتتم لولا وجود ثلة من المهتمين و محبي الاستكشاف على الرغم من العناء و المخاطرة المترتبة على ذلك. ففي عطلة نهاية الاسبوع المصادف لـ 5 – 7 ديسمبر 2012 كانت لنا مشاركة في رحلة إستكشافية في احضان الربع الخالي مع مجموعة من هواة النزهة و الاستكشاف.الهدف من الرحلة كان لأماطة اللثام عن بعض الكنوز التاريخية و الجغرافية لمنطقة أخرى في الربع الخالي المتمثلة في تلك البحيرات التي كانت تغطي أجزاء منه و البحث عن ما يستدل به لأثبات تواجد الانسان في العصر الحجري المتمثلة بأدوات الصيد كرؤوس الرماح و الاسهم. الرحلة السابقة كانت في مارس 2009 في منطقة تبعد قرابة 70 كم شمال غرب الشلفا.

إثنتا عشر سيارة شاركت في هذه الرحلة  و انطلقت على دفعات ظهر يوم الاربعاء 5 ديسمبر 2012 ليلتقوا في نقطة محددة مسبقا من قبل قائد الرحلة و هي موقع تخييم ليلة الخميس و التي بالمناسبة كانت ضمن قائمة البحيرات المحتملة التي أعدها قائد الرحلة بأستخدام برنامج جوجل ارث إضافة إلى خط سير الرحلة داخل الصحراء.

جميع المواقع التي تم زيارتها تطلب الوصول اليها السير لمسافة 150 كم على طريق ممهد يبدأ من محطة بنزين غزالة و الذي تستخدمه شركات النفط و الغاز في تلك المناطق.  لم يستغرق الوصول الى منطقة التخييم الاولى أكثر من ساعة و نصف من محطة غزالة و لمسافة 148 كم.

الكثبان الرملية في منطقة البحث تعتبر متوسطة الارتفاع  و اغلبها غير متصلة ببعض بحيث يوجد بينها الكثير من الممرات و السفوح الرملية المنبسطة. كما تكسوها صخور الحصباء ذات الاحجام و الالوان المتعددة التي تتواجد عادة في قيعان و مجاري الانهار و هذا دليل آخر على ان تلك المنطقة كانت في عصور سابقة مجرى للسيول.

البرنامج اليومي للرحلة يبدأ بعد تناول الافطار حيث تنتقل المجموعة من موقع الى آخر و عند كل موقع يحتمل أن يكون بحيرة يترجل المشاركون من سياراتهم لمعاينته و البحث عن دلائل تؤكد كونه بحيرة. من تلك الدلائل نوع التربه و وجود بعض القشريات و القواقع و الاصداف. بعد ان تتحقق تلك العلامات ينتقل المشاركون للمرحلة الثانية و هو البحث عن اثر لوجود صخور الصوان المستخدم في صناعة الحراب و رؤوس الاسهم و ما أن يتحققوا من ذلك حتى ينتقلوا للمرحة الثالثة و الاهم وهو البحث عن الحراب و رؤوس الاسهم من أجل تصويرها و توثيقها في مواقعها. دقة الملاحظة من الامور التي تساعد الباحث في سرعة رؤية الحراب و الاسهم لأن قاع البحيرة يكسوه الكثير من صخور الحصباء و صخور اخرى تجعل من إيجاد تلك الحراب و رؤوس الاسهم بالأمر الصعب.

الكل كان له فرصة تصوير و توثيق بعض الحراب و رؤوس الاسهم و لكن بدرجات متفاوته من ناحية العدد و النوع، لكن الاهم من ذلك هو الوقت الممتع و المفيد الذي امضاه المشاركون في تلك الاجواء البرية الرائعة خصوصا عندما يجن الليل حين يجتمعوا حول فاكهة الشتاء ( شعلة من النار) لتجاذب اطراف الحديث في شتى المواضيع تحت سماء صافية تتلألاء في كبدها نجوم كأنها ترى أول مرة لشدة نصوعها و تتجلى قدرة الخالق سبحانه في إشراقها.

من الأمور المثيرة في هذه الرحلة مرورنا غير المقصود بموقع بئر فاضل الذي  كنت أسمع بوجوده في الربع الخالي و أحتفظ بأحداثيته منذ زمن و أتوق للوصل اليه يوم ما. من عادات البدو في الصحراء أن ينسبوا آبار الماء الى اصحابها او من حفروها و بئر فاضل احد تلك الآبار و ينسب الى “الشيخ جابر بن على الفاضل” كما هو مكتوب على فوهة البئر الخرسانية.

على الرغم من علمي بمرور خط سير الرحلة بالقرب من البئر بعد تحميل المسار على جهاز الجي بي اس، لكن لم اتوقع بأن يقع البئر في خط سيرنا ربما بسبب الطبيعة الاستكشافية للرحلة و عدم اعتماد خط السير فقط.

البئر عميق جدا و له فوهة كبيرة يتراوح قطرها المترين الى ثلاثة أمتار و مرتفع عن سطح الارض و مبني من الخرسانة المسلحة. كما يوجد حول البئر عدة احواض  قد تكون لتبريد الماء و التخلص من الكبريت المذاب كما هي طبيعة مياه الربع الخالي. كانت فرصة للمشاركين لمعاينة البئر و أخذ الصور التذكارية.

في ختام الرحلة الساعة الثانية ظهرا من يوم الجمعة سلكت المجموعة طريق الرجعة بأتجاه الغرب للوصول الى اقرب نقطة على الطريق الممهد بأتجاه محطة غزالة مع الاخذ بالاعتبار التوقف في المواقع المحتملة بأن تكون بحيرات. الطريق كان سالكا و ممتعا في القيادة لكونه يمر بين الكثبان و المسطحات الرملية الممطورة و لم تمضي ساعة حتى وصلت المجموعة للطريق الممهد  لتبدأ طريق العودة.

إجمالا الرحلة كانت موفقة على جميع الاصعدة فالامطار على منطقة الشلفا جعلت من السفوح و الكثبان الرملية متراصة و متماسكة بحيث لم يضطر المشاركين لتخفيف هواء الإطارات و لا حتى إستعمال الدفع الرباعي. كما أن المشاركين إستمتعوا بأجواء معتدلة و بعض الغيوم الخفيفة مع اعتدال سرعة الرياح، لكن يبقى الكم المعرفي و الإنجاز الإستكشافي أهم إنجازات هذه الرحلة.



Actions

Information

3 responses

10 12 2012
كمال أجسام

ما شاء الله تبارك الله بصراحه رحله ممتعه وجميله جداً مليئه بالمعلومات الرائعه.

يا ريت لو نعرف تفاصيل أكثير عن الشيخ جابر بن علي الفاضل من يكون ؟ والغايه من حفر البئر؟ وكم عمر هذا البئر؟

هل الكلمه التي بالصوره هي شلفا؟؟

تحياتي وإننا من المتابعين والتواقين لكل جديد

إدارة كمال أجسام

10 12 2012
admin

أسعدنا مروركم و أسعدنا أكثر تعليقكم القيم و رغبتكم في معرفة المزيد عن صاحب البئر. للأسف لم تكن هنالك أي معلومات عن البئر سوى أسم صاحبها و حال توفر المعلومات التي سألت عنها سوف نخطركم بها.
أما تخمينك بخصوص الكلمة فهو صحيح.

إدارة موقع رحلاتي

21 01 2015
أحمد سيف الهاملي

رحله جميلة

Leave a Reply to كمال أجسام Cancel reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *


قائمة بجميع الرحلات